سيد قطب

7

التصوير الفني في القرآن

لقد وجدت القرآن ! لهذا الكتاب في نفسي قصة . ولقد كان من حقي أن أحتفظ بهذه القصة لنفسي ، ما ظلّ هذا الكتاب خاطرا في ضميري . أما وقد أخذ طريقه إلى المطبعة ؛ فإن قصته لم تعد ملكا لي ، ولا خاصة بي . لقد قرأت القرآن وأنا طفل صغير ، لا ترقى مداركي إلى آفاق معانيه ، ولا يحيط فهمي بجليل أغراضه . ولكنني كنت أجد في نفسي منه شيئا . لقد كان خيالي الساذج الصغير ، يجسّم لي بعض الصور من خلال تعبير القرآن . وإنها لصور ساذجة ، ولكنها كانت تشوق نفسي وتلذ حسي ، فأظل فترة غير قصيرة أتملاها ، وأنا بها فرح ، ولها نشيط . من الصور الساذجة التي كانت ترتسم في خيالي إذ ذاك صورة كانت تتمثل لي كلما قرأت هذه الآية : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ، فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ، وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ ، خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ . ولا يضحك أحد ، حينما أطلعه على هذه الصورة في خيالي : لقد كان يشخص في مخيّلتي رجل قائم على حافة مكان مرتفع : مصطبة - فقد كنت في القرية - أو قمة تل ضيقة - فقد رأيت التل المجاور للوادي - وهو قائم يصلي ، ولكنه لا يملك موقفه ، فهو يتأرجح في كل حركة ، ويهم بالسقوط وأنا بإزائه ، أتتبع حركاته ، في لذة وشغف عجيبين ! ومن تلك الصور الساذجة صورة كانت تتمثل لي كلما قرأت هذه الآية :